الخطيب البغدادي
50
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
ثم ورد من الغد وهو يوم السبت نحو مائتي فارس من عسكر البساسيري ، ثم دخل البساسيري بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه الرايات المصرية ، فضرب مضاربه على شاطئ دجلة ، ونزل هناك والعسكر معه ، وأجمع أهل الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مضافرة البساسيري ، وكان قد جمع العيارين وأهل الرساتيق وكافة الدعار وأطمعهم في نهب دار الخلافة والناس إذ ذاك في ضر وجهد ، قد توالت عليهم سنون مجدبة ، والأسعار غالية والأقوات عزيزة ، وأقام البساسيري بموضعه والقتال في كل يوم يجرى بين الفريقين في السفن بدجلة . فلما كَانَ يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة دعي لصاحب مصر فِي الخطبة بجامع المنصور ، وزيد فِي الأذان : حي عَلَى خير العمل ، وشرع البساسيري فِي إصلاح الجسر ، فعقده بباب الطاق ، وعبر عسكره عَلَيْهِ ، وأنزله بالزاهر ، وكف الناس عَنِ المحاربة أيامًا . وحضرت الجمعة يوم العشرين من ذي القعدة فدعي لصاحب مصر فِي جامع الرصافة ، كما دعي لَهُ فِي جامع المنصور وخندق الخليفة حول داره ونهر معلى خنادق ، وأصلح ما استرم من سور الدار . فلما كان من يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشر البساسيري أهل الجانب الغربي عمومًا ، وأهل الكرخ خصوصًا ، ونهض بِهم إلى حرب الخليفة ، فتحاربوا يومين قتل بينهما قتلى كثيرة . واستهل هلال ذي الحجة ، فدلف البساسيري في يوم الثلاثاء ، ومن معه نحو دار الخلافة ، وأضرم النار في الأسواق بنهر معلى وما يليه ، ولم يكن بقي بالجانب الغربي إلا نفر ذو عدد ، وعبر الخلق للانتهاب ، وأحاطوا بدار الخلافة ، فنهب مالًا يقدر قدره ، ووجه الخليفة إلى قريش بن بدران البدوي العقيلي ، وكان ضافر البساسيري وأقبل معه ، فأذم قريش الخليفة في نفسه ،